![]() |
الأكراد السوريون: من الظلام إلى فجر مُرتقَب.. رحلة نضال من أجل الهوية والمستقبل |
أصوات من تحت الأنقاض
في زاويةٍ من مقبرة الشهداء بروج آفا، تُضيء "أمينة حسين" البخور على قبر ابنها "ديرسم"، الذي سقط عام 2015 في معركة ضد تنظيم داعش. تقول بلهجةٍ تختلط فيها الفخر بالألم: "دماء الشهداء لن تذهب سُدى.. لقد حققنا الكثير، ويجب أن نحافظ عليه". هذه الكلمات تختزل قصة شعبٍ حُوصر بين مطرقة الأنظمة وسندان النزاعات الدولية، لكنه ظلّ يُناضل من أجل حُلم بسيط: الاعتراف بوجوده.
الوجود الكردي في سوريا: قصة مشحونة
التاريخ الكردي في سوريا ليس مجرد قصة من الماضي، بل هو مزيج من القتال من أجل الهوية، والتأقلم مع تغيرات السياسة، والتعرض للاضطهاد. في البداية، كانت المناطق الكردية في سوريا تشهد تفاوتاً في التعامل معها من قبل الحكومات السورية المتعاقبة، فكان الأكراد يعانون من سياسة التهميش والإنكار لحقوقهم الثقافية واللغوية. ولم يكن لهم حق في التعليم بلغتهم أو ممارسة طقوسهم بحرية.
لكن الثورة السورية، التي انطلقت في عام 2011، كانت نقطة تحول في تاريخ الأكراد، حيث ظهرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كأحد القوى الميدانية المهمة التي تشكلت لمواجهة النظام السوري والمجموعات المتطرفة، مثل داعش.
تاريخ من التهميش.. من الأسد إلى "الفراغ"
لعقودٍ خلت، عانى الأكراد في سوريا من سياسة التعريب القسري، حيث جُردوا من الجنسية، وحُظرت لغتهم، وحُوصرت ثقافتهم تحت شعار "الشعب السوري العربيّ". لكن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011 فتحت باباً للتمرد:
- 2012: انسحاب النظام من الشمال الشرقي، فخلق فراغاً ملأه الأكراد بإعلان "الإدارة الذاتية" في روج آفا (كردستان الغربية).
- 2015: تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة مظلوم عبدي، التي لعبت دوراً محورياً في هزيمة داعش، بدعمٍ أمريكي.
- 2024: سقوط نظام الأسد، وبروز تحالف "هيئة تحرير الشام" (HTS) كقوة حاكمة، مع تحالفها مع "الجيش الوطني السوري" المدعوم تركياً، الذي شن هجماتٍ شرسة على المناطق الكردية.
قسد: مصير مجهول وأمل يحدوه الحلم
على الرغم من أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) حققت إنجازات هائلة على الأرض في محاربة الإرهاب، خصوصاً تنظيم داعش، إلا أن وضعها السياسي يظل غامضاً. هل ستظل قسد تشكل دوراً محورياً في مستقبل سوريا؟ أم ستواجه تحديات كبيرة مع القوى الدولية والإقليمية التي لها مصالح متشابكة في المنطقة؟
من ناحية أخرى، يبقى الأكراد في سوريا في مواجهة مستمرة مع القوى الكبرى في المنطقة، مثل تركيا، التي تعتبر حزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه) إرهابياً. هذا التوتر الإقليمي يعقد عملية بناء السلام، ويزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار.
"قسد".. بين مطرقة أنقرة وسندان دمشق
اليوم، تُواجه قسد تحديات وجودية:
- المفاوضات مع دمشق: تُطالب بلا مركزية تضمن حقوقاً ثقافية وسياسية، مثل تدريس اللغة الكردية، والاعتراف الدستوري بهم كـ"مواطنين سوريين" لا "عرب".
- التهديد التركي: تُصر أنقرة على اعتبار قسد "امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK)"، وتشن عبر "الجيش الوطني" هجماتٍ تسببت بنزوح 100 ألف شخص، كما في تل رفعت والقامشلي.
- المخاوف من HTS: رغم التصريحات المطمئنة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني – الذي غرّد بالكردية لأول مرة – لا تزال رؤية الحكم الجديد لـ"الإدارة الذاتية" غامضة.
حقوق الأكراد: بين الطموحات والواقع
بينما يتطلع الأكراد في سوريا إلى حقوقهم المشروعة كغيرهم من المواطنين، مثل التعليم بلغتهم، والمشاركة السياسية الفاعلة، وتقرير مصيرهم، يظل الواقع مملوءاً بالتحديات. فقد واجه الأكراد ضغوطات عسكرية وسياسية، حيث يتعين عليهم الموازنة بين الولاء لمبادئهم الخاصة ومصالح القوى الكبرى التي لها تأثير في المنطقة.
ومع ذلك، تظل آمال الأكراد قائمة في بناء دولة ذات سيادة أو على الأقل تحقيق حكم ذاتي يتمتع بالحقوق السياسية والاجتماعية. ولكن الطريق لتحقيق هذه الطموحات لن يكون سهلاً، خصوصاً في ظل المناورات الإقليمية والدولية التي قد تحرف الحلم الكردي عن مساره.
"هويّتنا ليست جريمة".. مطالب لا هوادة فيها
في شوارع القامشلي، حيث تُعلّق صور الشهداء، يُجسد الأكراد إصرارهم على:
- إلغاء القوانين التمييزية، مثل المرسوم 93 الذي سلب الجنسية من آلاف الأكراد.
- الاعتراف الرسمي بلغتهم، واحتفالات نوروز كعيدٍ وطني.
- تمثيل عادل في البرلمان، وضمان مشاركتهم في صياغة الدستور الجديد.
لكن الواقع يُذكّرهم بأن الطريق طويل: ففي تل رفعت المحتلة، يشتكي العرب من تدمير مزارعهم خلال سيطرة الأكراد، بينما تقول "إلهام حرو" التي نزحت إلى مدرسة في القامشلي: "لم يبقَ لنا سوى أرواحنا.. فليأخذوها!".
هل يُولد الفجر من رحم المعاناة؟
رغم كل شيء، يُصر الأكراد على الأمل. يقول الصحفي الكردي "هوشنك حسن": "تغريدة الشيباني بالكردية خطوة رمزية مهمة.. لكننا ننتظر أفعالاً، لا كلمات". ربما يكون مستقبل سوريا مرتبطاً بإجابة سؤالٍ واحد: هل تستطيع دمشق وأنقرة والعالم احتضان تنوعٍ ثقافي يُنهي أطول حرب في القرن الحادي والعشرين؟
العالم ينظر.. والمستقبل يُنادي
تدخل القضية الكردية في منعطفٍ دولي معقد:
- الولايات المتحدة: تدعم قسد كحليفٍ ضد الإرهاب، لكن تجميد المساعدات في عهد ترامب يزيد الأوضاع إرباكاً.
- إقليم كردستان العراق: يضغط على دمشق عبر لقاءاتٍ مع الشيباني، مطالباً بحماية حقوق الأكراد.
- روسيا وتركيا: تتصارعان على النفوذ، بين دعم النظام الجديد ومحاربة "الإرهاب الكردي".
ختاماً: أمل في المستقبل رغم التحديات
تاريخ الأكراد في سوريا مليء بالمعاناة، لكنه أيضاً مليء بالأمل في غدٍ أفضل. المستقبل قد يكون غامضاً، لكن إرادة الشعب الكردي لا تزال حية. يمكنهم البناء على تاريخهم الطويل في المقاومة، والعمل نحو تحقيق حقوقهم الكاملة.
فهل ستتحقق آمال الأكراد في سوريا؟ وهل ستتغير المعادلة السياسية بما يخدم تطلعاتهم؟ يبقى السؤال قائماً، ولكن كل يوم يمر يثبت أن لا شيء مستحيل في معركة الأكراد من أجل كرامتهم وحقوقهم.

