|
"باقون... ولو على الخريطة فقط!" كتاب لجميل دياربكرلي: رؤية نقدية لواقع المسيحيين في المشرق |
خلفية الكتاب وأهميته
يأتي الكتاب كرحلة بحثية واستقرائية في أحوال المسيحيين اليوم عبر عشر دول مشرقية رئيسية: سوريا، العراق، لبنان، الأردن، مصر، تركيا، إيران، بالإضافة إلى الخليج العربي، مناطق السلطة الفلسطينية، وإسرائيل. كما يمتد التحليل إلى تحديات المسيحيين المشرقيين في بلاد الانتشار (الدياسبورا). بعيداً عن الإحصاءات الجافة أو الروايات العاطفية التقليدية، يسعى دياربكرلي إلى تقديم قراءة فكرية وحقوقية معمقة تركز على الوجود الأصيل للمسيحيين المشرقيين، محذراً من مخاطر تحولهم إلى مجرد ذكريات تاريخية.
تم إصدار الكتاب في ديسمبر 2025، وفقاً لإعلانات الدار الناشرة، لكنه يأتي في توقيت يشهد المنطقة تغييرات متسارعة تعيد رسم الهويات الثقافية والدينية. في حديث خاص أجراه معه موقع شبكة ريڤيونا الإعلامية، أكد دياربكرلي أن هذا التوقيت لم يكن مصادفة، بل استجابة للحاجة الملحة لتوثيق الوجود المسيحي وحمايته من خلال رؤية حقوقية وفكرية شاملة.
تفسير العنوان: دق ناقوس الخطر
العنوان "باقون... ولو على الخريطة فقط!" يحمل بعداً وجودياً قوياً، يدق ناقوس الخطر حول مصير الوجود المسيحي. يشرح دياربكرلي أن العنوان يعبر عن مخاوف من أن يصبح الوجود "على الخريطة" مجرد وجود حجري صامت، حيث يفتخر المسيحيون بآثار أجدادهم في كل شبر من الأرض، لكن ذلك لا قيمة له إذا غاب البشر. كمثال، يشير إلى مئات القرى في سوريا التي تحمل أسماء سريانية أصيلة، بينما سكانها الحاليون لا يعرفون شيئاً عن السريان كشعب وحضارة حية. يدعو الكتاب إلى عدم الاكتفاء بالحجر، بل إعادة الروح البشرية الحية للخريطة، لئلا يتحول الوجود إلى متحف ذكريات.
القواسم المشتركة للأزمة المشرقية
رغم الاختلافات السياسية والقانونية بين الدول المشمولة في الكتاب، يحدد دياربكرلي قاسماً مشتركاً رئيسياً: غياب "المواطنة الكاملة". يصف المسيحي في أغلب هذه الدول بأنه "المواطن القلق" على مستقبله ومستقبل أولاده، وهذا الشعور بعدم الاستقرار هو الدافع الأساسي للهجرة الجماعية. يتناول الكتاب هذه الأزمة كمأساة مشتركة، مع الاعتراف بـ"مأساة خاصة" لكل حالة، لكنه يركز على الجوانب المتشابهة التي تتطلب حلولاً مشتركة.
نقد خطاب الخوف وعقلية التبعية
ينتقد الكتاب "خطاب الخوف" الذي يسيطر على بعض النخب المسيحية، ويدعو إلى كسره من خلال التحرر من "عقلية التبعية". يشبه دياربكرلي هذه العقلية بمقولة "إللي بياخد أمي بقوله عمي"، محذراً من أنها لا تحمي الوجود بل تهينه. يتحدث عن "ذمية سياسية مقنعة" جعلت المسيحيين يرضون بدور التابع أو "الديكور التجميلي" مقابل وعود هشة بالأمان. الخطوة العملية المطلوبة، حسب الكاتب، هي تبني الندية الحقيقية، مع الإدراك بأن المسيحيين أصحاب بيت، وأن البيت يُبنى بالمشاركة الواثقة التي تفرض احترامها، لا بالمسايرة على حساب الكرامة. يؤكد أن جزءاً كبيراً من الإخفاقات يعود إلى "نحن" وطريقة تعاطينا مع الواقع.
دور الاغتراب: فرصة تاريخية أم خطر ذوبان؟
يُعد الاغتراب، وفقاً لدياربكرلي، الأساس الحالي لمشاريع الشعب المسيحي المشرقي. مع وجود أكثر من 75% من أبناء الشعب في بلاد الانتشار، لم يعد الاغتراب مجرد هجرة، بل الثقل الحقيقي والعمق الاستراتيجي. إذا ظلت الجاليات متشظية، فستبقى القضية متشظية، لكن إذا أحسن تنظيمها، فإن الاغتراب يصبح فرصة تاريخية للإنقاذ، كسند قوي للداخل وناطق باسم القضية عالمياً.
خلفية الكاتب ومستقبل أعماله
هذا الكتاب هو الإصدار الأول لجميل دياربكرلي، ويمثل خلاصة تجربة بدأت قبل سنوات من خلال عمله في المرصد الآشوري لحقوق الإنسان. ساهم دياربكرلي في إعداد العديد من التقارير الحقوقية، الأبحاث، والدراسات الميدانية، مع التركيز على كونه "صوت من لا صوت له". يمثل الكتاب انتقالاً من التوثيق التقني إلى الرؤية الفكرية، ويعد بإصدارات أخرى تعمق هذا المسار.
جدول الدول والتحديات الرئيسية المغطاة في الكتاب
- سوريا: قرى بأسماء سريانية أصيلة لكن سكانها يجهلون التراث؛ هجرة جماعية بسبب عدم الاستقرار.
- العراق: غياب المواطنة الكاملة؛ قلق على المستقبل يدفع للهجرة.
- لبنان: أزمات سياسية وقانونية تؤثر على الوجود المسيحي.
- الأردن: تحديات في الحفاظ على الحضور الثقافي.
- مصر: مواجهة "ذمية سياسية مقنعة" وخطاب الخوف.
- تركيا: إعادة رسم الهويات الثقافية؛ مخاطر التحول إلى وجود حجري.
- إيران: قيود على المواطنة والحقوق الدينية.
- الخليج العربي: حضور مسيحي غير مسبوق لكنه هش أمام التغييرات.
- السلطة الفلسطينية: تحديات في المناطق المتنازع عليها.
- إسرائيل: ديناميكيات سياسية معقدة تؤثر على الأقليات المسيحية.
- بلاد الانتشار (الدياسبورا): فرصة تنظيمية لدعم الداخل؛ خطر التشظي إذا لم يُدار جيداً.
هذا الجدول يلخص التغطية الشاملة للكتاب، مع التركيز على الجوانب الحقوقية والسياسية.
الاستقبال والتأثير المحتمل
تلقى الكتاب تهاني واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بارك العديد من النشطاء والمؤسسات صدوره، مشيدين بعنوانه المؤلم والمعبر. يُتاح الكتاب عبر منصات الكتب الورقية المطبوعة والكتب الالكترونية، ومن المتوقع أن يساهم في نقاشات أوسع حول حقوق الأقليات في الشرق الأوسط. في سياق حساس مثل هذا، يبرز الكتاب أهمية الندية والمشاركة الواثقة لضمان بقاء حضاري حي، لا مجرد آثار على الخرائط.
يعتبر هذا العمل صرخة وجودية تسعى لإعادة الحياة للخرائط الجغرافية عبر تفعيل الحضور الإنساني الفاعل للمكون المسيحي في وطنه الأم.

.jpg)
.jpg)
.jpg)
