![]() |
إدارة التنوع في سورية: التحديات التاريخية وصراع الهوية.. هل تُبنى الدولة المدنية على أنقاض الأيديولوجيا؟ |
بقلم ملكون ملكون - السويد 17-03-2025
"تتناول هذه المقالة التحليلية إشكالية إدارة التنوع في سورية عبر التاريخ، بدءاً من التنوع الثقافي والديني الذي شكّل نسيجها الاجتماعي، مروراً بتحوّل هذا التنوع إلى أداة صراع تحت حكم الأيديولوجيات الشمولية. تناقش المقالة كيف حوّلت الأنظمة الحاكمة التنوعَ من مصدر غنى إلى عامل تفكيك، عبر سياسات الإقصاء والقمع وتكريس الهوية العروبية الأحادية. بقراءة نقدية للدساتير السورية وتأثيرها على الهوية الوطنية، تطرح المقالة تساؤلات ملحّة عن مستقبل سورية: هل يمكن بناء دولة مدنية تعترف بالتعددية وتُنهي عهد المحاصصة الطائفية؟ اكتشف التحليل الكامل لمسار الأزمة السورية ورؤية مستقبلية لإنقاذ التنوع من براثن الأيديولوجيا."
كيف حوّلت الأيديولوجيا الشمولية التنوعَ السوري من نعمة إلى نقمة؟
مما لاشك فيه أن سورية عبر تاريخها تعتبر من أكثر الدول تنوعاً وتعددية، تنوع ديني واثني ولغوي وثقافي منح هذا البلد المكلوم بجغرافيته وتاريخه تفرداً وتميزاً، ولكن مخطىء من يظن أن مشكلة سورية كانت في تنوعها لأن هذا التنوع كان مصدر غِنى لها، ولكن المعضلة السورية كانت بعد الاستقلال وتحديداً منذ الوحدة مع مصر في عام 1958 وبداية ما عُرِفَ بالحكم الشمولي بقيادة جمال عبد الناصر، حيث بدأت تشكلت ملامح معضلة "إدارة التنوع" في سوريةـ وبدأت "شيطنة" فئات وشرائح واسعة من الشعب السوري على اساس قوميتها وإثنيتها ومذهبها، واتخذ البلد القومية العربية منهجاً للإقصاء والتخوين والإلغاء.
ومع انقلاب حزب البعث في الثامن من آذار عام 1963 اتخذت مسارات التعامل مع هذا التنوع منحيين، الأول إقصائي والثاني قمعي، فأصبحت الوحدة الوطنية شعاراً يزين الجدران واللافتات القماشية الزاهية الألوان، وجعلها منجزاً شخصياً لحافظ الاسد الذي تحول الى "رمز للوحدة الوطنية، وفي ذات الوقت أصبح الحديث عن القوميات الأخرى واللغات الأخرى والحقوق الثقافية للمكونات الأخرى بمثابة جرم قد يقود قائله أو الذي يدعو له الى السجن بتهم شتى لعل أبرزها "وهن نفسية الأمة".
دستورياً برزت بشكل واضح هيمنة الأيديولوجيا البعثية العروبية في دستور 1973، الذي كرّس نظام الحزب الواحد المهيمن على مختلف مفاصل الحياة. فقد طبعت إيديولوجيا الحزب الحاكم العديد من المواد الدستورية، ولاسيما المادة الأولى التي اشتملت على مصطلحات "عروبية" عديدة منها "الجمهورية العربية السورية"، " القطر العربي السوري"، " الوطن العربي"، "الامة العربية".
ويهدف نظام التعليم والثقافة، بحسب المادة 21 من هذا الدستور، " إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي علمي التفكير مرتبط بتاريخه وأرضه معتز بتراثه مشبع بروح النضال من اجل تحقيق اهداف امته في الوحدة والحرية والاشتراكية". وتعتبر المادة 23 بأن "الثقافة القومية الاشتراكية اساس بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد وهي تهدف الى تمتين القيم الاخلاقية وتحقيق المثل العليا للامة العربية". أمّا القَسم الدستوري، وكما جاء في المادة السابعة، فيلزم بالعمل "لتحقيق اهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية". وحتى الأحكام القضائية تصدر، بحسب المادة 134، "باسم الشعب العربي في سوريا".
وفي شباط / فبراير 2012 صدر دستور جديد ورغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها سوريا إلا نص الدستور الجديد لم يخرج من عباءة دستور 1973، على الرغم من التراجع عن المادة الثامنة التي كانت تُشير الى أنّ "حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع". فتكررت المصطلحات العروبية الواردة في دستور عام 1973، بل ويضيف عليها مصطلحات مثل "الحضارة العربية" "الدور العربي السوري"، "قلب العروبة"، الخ. والمادة الرابعة تؤكّد بأن "اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة"، دون الإشارة إلى اللغات الأخرى والحقوق الثقافية للناطقين بها.
صحيح أنّ اعتبار العروبة كأساس أيديولوجي جامع لكل القاطنين في العالم العربي قد نجح في توحيد صفوف المسيحيين والمسلمين خاصة في منتصف القرن الماضي وفي فترات النضال ضد الإستعمار، إلا أنّ هذه الأيديولوجيا أثبتت عجزها لاحقاً عن تعزيز مبدأ المواطنة وتحقيق اندماج المنتمين للمكونات غير العربية، كما أنها لم تحقق حتى اليوم أياً من أهدافها وجلبت لقاطني هذه المنطقة الكثير من أعمال الاضطهاد تحت مسميات الشعارات التي رفعتها الأحزاب السياسية الحاكمة والعاملة باسمها.
وعبر عقود من الزمن كانت الدولة السورية تختار الإقصاء بديلاً عن تكريس هذا التنوع بشكل إيجابي، وباتت المحاصصة الطائفية في كل مناحي الحياة قائمة وبشكل فجّ رغم أن البعث يحاربها وينبذها لكنه على أرض الواقع يمارسها، وباتت حقوق المكونات الأخرى مجرد فتات يُمنح لها، وأُعطية كريمة من الدولة، ومن هنا ومع سقوط النظام كانت المكونات ترنو لحكومة وإدارة جديدة لسورية تعيد للمكونات حقوقها ولهذا التنوع بريقه ليصبح نعمة في بناء البلد من جديد بعد أن كان نقمة على النسيج الاجتماعي السوري فزاده انقساماً وتشظياً، ولكن وحتى الآن مع تشكيل ما يشبه "هيكلية الدولة"، ومع الإعلان الدستوري، ومع الدماء التي تسيل لا تزال سورية تبحث عَمن يدير تنوعها ويبنيها من جديد على أسس وطنية. يسقط فيها رداء الايديولوجيا عن الدولة سواء أكانت ايديولوجيا دينية أو قومية لصالح إقامة الدولة المدنية التي تقدّم خدماتها للمواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية. ويبرز التساؤل المُقلق عن ماهية الهوية الوطنية الجامعة للسوريين، ومدى إمكانية تعزيز النزعة الوطنية على أساس مبدأ المواطنة الانسانية أي الانتماء إلى سوريا أولاً واحترام التعددية الأثنية والدينية فيها مع تعزيز التكافل الإنساني تجاه شعوب المنطقة العربية.
.png)
