|
مسيحيو سورية .. ضوء يتلاشى وأزمة انقراض تُهدد إرثاً عمره ألفَيْ عام! - بقلم ملكون ملكون |
تحليل صادم لتراجع مسيحيو سورية من 40% إلى 1%: كيف دمّرت الحروب والتطرف والتهجير إرثاً عمره 2000 عام؟ تعرّف على الأسباب الخفية، دور النظام، وتوقعات الانقراض بحلول 2050.
ملكون ملكون - Malkon Malkon: السويد 25-03-2025
في زمن الفوضى المبرمجة تكثر التساؤلات الكبيرة والمريرة التي تدور في فلك الإجابات الغامضة، ولعل الهجرة او التهجير لا فرق بينهما الى حد كبير ليست وليدة اليوم أو وليدة الازمات التي تعصف بالشرق منذ سنوات لكنها جاءت نتيجة كارثية لمقدمات إقصائية و إلغائية لا خيارات انسانية فيها .
فكانت الطلقة مقابل الكلمة ... والسيف بمواجهة العقيدة ... والهجرة حلاً قاسياً لا بد منه .. فمسيحيو سورية واجهوا بخوف اقتلاعاً شرساً جاء كنتيجة منطقية لمسارات خارج نطاق سيطرتهم، وبعد أن تكاتفت قوى الشر والظلام للنيل منهم، على الرغم من أنه لا يمكن قراءة تاريخ و حضارة الشرق من دونهم، بكون ما تركوه وما أنجزوه من إرث حضاري وثقافي وفكري وفلسفي وسياسي له بصمات تاريخية في كل مفاصل الحياة الشرقية لا يمكن تجاهلها وشطبها في لحظة من البصر، فالمسيحيون ليسوا طارئين في سورية، وهم لم يأتوا مع الحملات الصليبية، ولم يجئ بهم الاستعمار الغربي كمبشرين، وإنما هم أبناء هذا الشرق ولدوا ونشأوا ووجِدوا منذ أكثر من آلاف السنين. وقد دخلوا المسيحية بمجيئها قبل ألفي عام وظلوا مؤمنين بها إلى يومنا هذا، كما ظلوا يعيشون على أرض الشرق منذ ظهور الديانة الإسلامية قبل ألف وخمسمائة سنة، وعلى هذه الأرض عاشوا متشبثين بأصولهم وبعقيدتهم، وبتقاليدهم وبعاداتهم، وعليه فـ(أصل) وجودهم هو بحد ذاته شرعية لا يحتاج إلى إثبات، وعليه لا يمكن محو تاريخ (المسيحيين) من هذا الشرق العريق
التهجير الجماعي لمسيحيي سورية وإفراغ المنطقة منهم، أمر شديد الخطورة لأنه سيُفقر في النهاية المنطقة العربية تحديداً من تعدديتها، ومن مادة رمادية كانت فعالّة جداً عبر التاريخ، ويدفع بالشرق المتعدد الذي عرفناه دائماً، إلى الموت البطيء والانتحار الهادىء.
وهذا التمزيق المنظم والمحكم الذي يعيشه مسيحيو سورية اليوم، هو أخطر ما يمكن أن يحدث للكيانات العربية المتهاوية بشكل مفجع، في ظل ظروف شديدة الصعوبة والتعقيد والتصنيع الخفي للكيانات أيضاً.
نسب وأعداد
يمكن القول أن نسب وأعداد المسيحيين في سورية ترتبط بالأوضاع السياسية السائدة، بدءاً من الحرب العالمية الأولى التي شهدت أكبر عملية نزوح لمسيحيي سورية الكبرى إلى الأمريكيتين وأستراليا، مروراً بالوحدة السورية المصرية، إلى عدوان عام 1967 إلى حقبة الثمانينات القلقة وما عكسته على النسيج الوطني بشكل عام.
وتشير بعض التقديرات إلى أن المسيحيين السوريين كانوا يشكلون قبل 2011 ما نسبته 10 بالمائة من مجموع السكان، غير أن تقديرات أخرى تتحدث عن نسبة أقل لا تتجاوز 8 بالمائة من مجموع السكان. إلا أن النسبة الدقيقة الوحيدة التي بقيت في السجلات الرسمية هي نسبتهم عشية جلاء الانتداب الفرنسي عن سورية عام 1946، إذ كانوا يشكلون في ذلك الوقت 20 بالمائة من مجموع السكان.يتوزعون على الجزيرة السورية وحلب ودمشق وريفها وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس ومنطقة حوران. أي بمعنى آخر على كامل التراب السوري، فلا توجد مدينة سورية صغيرة أو كبيرة إلا وفيها حي أو أكثر للمسيحيين.
ويؤكد الباحثون في تاريخ سورية الحديث أن هذه النسبة كانت أكبر من ذلك بكثير قبيل الحرب العالمية الأولى، وقد تكون أكثر من 40%، نظراً للهجرة الواسعة إلى الأمريكيتين أيام السفر برلك، ويشير هؤلاء الباحثين إلى أن عدد المنحدرين من أصول سورية مسيحية في الأرجنتين والبرازيل وباقي دول أمريكا اللاتينية يتجاوز 15 مليون نسمة.
وأمام هذه التناقضات في النسب والأعداد، لا يمكن للباحث أن يتحدث عن نسبة معينة أوعدد محدد، ولكن الأرقام تشير إلى تناقصها، وأن النسبة والأعداد كانت أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.
هجرات
الهجرة المسيحية من سورية نحو العالم الجديد سيّما نحو الولايات المتحدة والبرازيل قد بدأت في أعقاب النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ فُتح باب الهجرة مع الإمتيازات القنصلية للمسيحيين وهي في تلك المرحلة كانت هجرة بمعدلات طبيعية، لكنها تعمقت وتسارعت وتيرتها في أعقاب منتصف القرن التاسع عشر في بلاد الشام، تحديداً في أعقاب مذابح 1860. ونشطت الهجرة في أوساط الريف والمدينة على حد سواء، وكان جور الإقطاع المحلي والضرائب الباهظة والتجنيد الإجباري وسياسة التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي فضلًا عن الإمتيازات الأوروبية على رأس عوامل الهجرة، التي تحولت إلى ما يشبه الظاهرة، ونشأت جمعيات أدبية وإجتماعية في المهجر تنادي بحقوق المغتربين، ووفقًا للمؤرخ فيليب حتي، وصل حوالي 900,000 شخص من سورية العثمانية إلى الولايات المتحدة بين عام 1899 وعام 1919، وبحسب المؤرخ "حتي" كان أكثر من 90% من المهاجرين من المسيحيين.وأصبحت المجتمعات المسيحية مشرقية بارزة ومندمجة بشكل جيد في أمريكا الجنوبية، وبرزوا في مجال الأعمال التجاريَّة، والتجارة، والخدمات المصرفيَّة، والصناعة، والسياسة.
الهجرة التي كان لها بشكل رئيسي أسباب ثلاثة: فمن ناحية كان أغلب المسيحيين من ملاك الأراضي والمستثمرين الاقتصاديين وهو ما أمّن لهم حضوراً فعّالاً في الساحتين الإقتصادية والإجتماعية ومكنّهم من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، فعلى سبيل المثال 75% من الوكالات التجارية الأجنبية كانت بيد مسيحيين في منتصف القرن العشرين، لكن الدولة السوريّة اتجهت بعد "انقلاب البعث آذار 1968" نحو السياسة الإشتراكية ما عَنى فعلياً تجريد المُلاك من أملاكهم الخاصة وإنهاء المبادرات الفردية في السوق مقابل سيطرة الدولة، ما أدى أولاً إلى فقدان الدور الإقتصادي لمصلحة الدولة وثانياً هجرة الطبقة الأكثر ثراءً وتهريب أموالها معها، كانت المرحلة الأولى من الهجرة تلجأ إلى لبنان وفي المرحلة الثانية انطلقت نحو المغترب البعيد.
العامل الثاني تمثل بانعكاسات الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 وتحوّلت إلى اقتتال طائفي بين مكونات البلاد، فتحت الحرب الأهلية باب الهجرة للبنانيين عموماً ومسيحيي لبنان خصوصاً، الذين تربطهم بمسيحيي سورية علاقات قرابة وتجاور. لذلك فإن الهجرة اللبنانية دفعت بشكل أو بآخر إلى تشجيع الهجرة السوريّة.
العامل الثالث برز بتمرد الإخوان المسلمين في سورية والذي بدأ عام 1979 على يد "الطليعة المقاتلة" الجناح العسكري للحركة، واستمرّ حتى 1982 وتمركز في حماة وامتدّ نحو مناطق ومدن سوريّة مختلفة، وكان من نتائج تصاعد التطرف الديني لدى الحركة وما رافقه من خطابات وعمليات طائفية، تزايد الهجرة بشكل متسارع.
سنوات الجمر
خلال سنوات الجمر السورية من 2011 وما تلاها، تعرض المسيحيون لسلسلة من الأحداث الدموية، وتقدر بعض التقارير إلى أن أعمال العنف في سورية أدت إلى هجرة 80% من مسيحيي سورية. ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 126 هجوماً على كنائس خلال عام 2011، ونسبت 76 منها الى النظام، و33 إلى الجماعات المسلحة للمعارضة، و10 لداعش، و5 لأطراف أخرى، و2 لهيئة تحرير الشام.
أرقام صادمة
نسبة المسيحين في سورية تنخفض إلى 1% مع نهاية هذا العام 2024، طبعا كانت النسبة حوالي 14% عام 1943لغاية 2010، واقتربت من 20% في الفترة من 1920-1930، وكانت تبلغ أكثر من 40% قبل العام 1760
قد تبدو الأرقام صادمة ويظن البعض أنها ليست حقيقية أو هناك مبالغة ، لكن صدق او لا تصدق في الحسكة والقامشلي مثلاً حيث كان هناك ثقل مسيحي سكاني ، اليوم تبخر الوجود المسيحي فيها ، حاول أن تذهب إلى وادي النصارى في الشتاء حيث لا مصطافين ولا مغتربين ستجده مهجوراً ، نفس الكلام ينطبق على الأحياء ذات الغالبية المسيحية سابقاً كحي القصاع الدمشقي والأمريكان في اللاذقية والعزيزية في حلب، البيوت نصف مهجورة والنصف الثاني لايوجد به إلا المعمرون والشباب ممن لم يجد إلى السفر سبيلاً، عام 2020 قبل كورونا كان المتبقي من المسيحيين المسجلين وفق الكنائس حوالي 600-700 الف يشكلون 2-3٪، اليوم مع انتهاء هذا العام 2024 النسبة تقترب من 1٪ مع تقدير بأنه تتجه كما العراق نحو 1-2 بالالف كلما اقتربنا من العام 2050 حيث سينقرض من تبقى…
وحسب منظمة حقوق الإنسان بلا حدود في بروكسل فان المسيحيون في سورية محكوم عليهم بالانقراض خلال عقدين من الزمن إذا لم يضع المجتمع الدولي سياسات محددة لحمايتهم. وتبين انه في حلب، "اختفى" ثلثا العائلات المسيحية لم يتبق الآن سوى 11.500 عائلة مقابل 37.000 عائلة في عام 2010. وتتكون كل عائلة مسيحية من 2.5 شخص فقط بسبب انخفاض معدل المواليد الذي يمكن تفسيره بالهجرة الجماعية للأزواج الشباب وعدم وجود مستقبل يمكن بناؤه في سورية للجيل القادم المحتمل. كذلك تشير بعض الإحصائيات إلى أن حوالي 40% من الأسر المتبقية ترأسها نساء، لكن فرص العمل المتاحة لهن أقل من الرجال. ويبلغ متوسط عمر أفراد الطائفة المسيحية 47 عاماً. ومع ارتفاعه بشكل مطرد، سيؤدي هذا الاتجاه إلى مجتمع متزايد الشيخوخة محكوم عليه بأن يصبح أقل ديناميكية وأن يموت ببطء بدون أحفاد.
وكان قد كشف تقرير نشرته منظمة "Aid to the church in need" (مساعدة الكنيسة المحتاجة) الخيرية الكاثوليكية، إن الأزمات والهجرة المستمرة تهدد بقاء ثلاثة من أقدم وأهم المجتمعات المسيحية في العالم في العراق وسورية وفلسطين.
وبحسب التقرير، فإن عدد المسيحيين في سورية انخفض خلال عقد من الزمن من مليون ونصف قبل عام 2011 إلى نحو 300 ألف حالياً.
ولعل موقف مسيحيو سورية مما يحدث في البلاد منذ سنوات نجمله في النقاط التالية:
- الخوف من التغيير وعدم الاستقرار
- التجارب المجاورة في الشرق الأوسط
- الحذر من الإرهاب
- ابتعاد نخبهم الثقافية عن الشأن العام وحصر نشاطاتهم الإجتماعية داخل أسوار كنائسهم
- ذاكرة الخوف تاريخياً لديهم من السلطات الحاكمة
- سيطرة الخطاب الديني على التيار المعارض
- الخوف من هيمنة تيارات إسلامية سياسية على الحكومة "وهذا ما حدث". مثلما حدث في الحكومات التي انبثقت عن الربيع العربي، والتي أصبحت أقل تسامحاً مع المسيحيين وأقل اعترافًا بحقوقهم.
- الخشية من أنهم سوف يعانون نفس نتائج الإضطهاد والتطهير العرقي والتمييز الطائفي، (مثل مسيحيي العراق ومصر)، إذا تمت الإطاحة بالسلطة.
الخلاصة
في العقد الاخير تَولّدَّ نتيجة هذه الفوضى في المنطقة سياسات دموية وخروج الظلامية الى الضوء وتفجر حدود الدم التي تدعو لتفتيت الكيانات السياسية هذه التي لم تُنجز خلال ثمانية عقود مضت، تماسكاً مدنياً أو وطنياً ولو بحده الأدنى، إضافة للتفكك البنيوي المديد الذي أصاب البنيات الإجتماعية والاقتصادية والتربوية وتردداتها على المستوى السياسي
نحن أمام مفترق طرق بعد تفجر كل القضايا سوية إما الذهاب لمشروع انقلابي على مساوئ التاريخ وما نتج عنه من انغلاق، او الخروج عن هذا التاريخ الى تاريخ اخر ننهي معه كل ما ربطنا بمحددات الزمن الآسر.
وباتت مسألة الهجرة مرتبطة بشكل مباشر بقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولهذا فبقاء المسيحيين عامة واستقرارهم في دول المشرق رهن بقيام دول مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الجميع، تقوم على العدل والمساواة وعلى مبدأ حقوق المواطنة الكاملة لكل مواطنيها بدون تمييز.
|
مسيحيو سوريا الآخذون في الاختفاء: إرث يمتد لألفي عام في خطر |
مسيحيو سوريا يختفون – وإرثهم الذي يمتد لألفي عام في خطر!
في هذه الحلقة المثيرة من بودكاست ريڤيونا باللغة الانكليزية، نغوص عميقاً في القصة غير المروية للمجتمع المسيحي القديم في سوريا – المجموعة التي كانت تشكل 40% من السكان ذات يوم، ولكنها تقلصت الآن إلى مجرد 1%. من المدن المزدهرة إلى الأنقاض التي مزقتها الحرب، ما الذي دفع هذا التراجع المأساوي؟
انضم إلينا ونحن نكشف عن:
- الجذور التاريخية للمسيحية في سوريا وتراثها الثقافي الغني.
- الآثار المدمرة للحرب الأهلية السورية والتطرف والتهجير الجماعي على هذا المجتمع القديم.
- السؤال الحاسم: هل يمكن لمسيحيي سوريا البقاء، أم أن هذا الإرث الذي يمتد لألفي عام سيتلاشى في التاريخ؟
حلقة مليئة بالرؤى التاريخية ووجهات نظر الخبراء والقصص الحقيقية من الميدان، تلقي هذه الحلقة الضوء على أزمة لا يستطيع العالم تجاهلها.
استمع الآن لاستكشاف الماضي والحاضر والمستقبل غير المؤكد لمسيحيي سوريا الآخذين في الاختفاء. أعجب، شارك، واشترك للمزيد من المحتوى المثير للتفكير!




